العيني

197

عمدة القاري

20 ( ( بابُ إفْشاءُ السَّلاَمِ مِنَ الإسْلاَمِ ) ) أي : هذا بابٌ ، وإن لم يقدر هكذا لا يستحق الإعراب على ما ذكرنا غير مرة ، فحينئذ باب منون . وقوله : ( السلام ) مرفوع لأنه مبتدأ ، وقوله : ( من الإسلام ) خبره ، والتقدير في الأصل : هذا باب في بيان أن السلام من جملة شعب الإسلام ، وفي رواية كريمة : باب إفشاء السلام من الإسلام . وهو موافق للحديث المرفوع في قوله : ( على من عرفت ومن لم تعرف ) والإفشاء ، بكسر الهمزة ، مصدر من أفشى يفشي ، يقال : أفشيت الخبر إذا نشرته وأذعته ، وثلاثية : فشى يفشوا فشوا ، ومنه : تفشى الشيء : إذا اتسع . وجه المناسبة بين البابين هو أن من جملة المذكور في الباب السابق أن الدين هو الإسلام ، والإسلام لا يكمل إلاَّ باستعمال خلاله ، ومن جملة خِلاله إفشاء السلام للعالم . وفي هذا الباب يبين هذه الخلة في الحديث الموقوف والمرفوع جميعا ، مع زيادة خلة أخرى فيهما ، وهي : إطعام الطعام ، وزيادة خلة أخرى في الموقوف وهي : الإنصاف من نفسه . وأما وجه كون إفشاء السلام من الإسلام فقد بيناه في باب إطعام الطعام . وقالَ عَمَّارٌ : ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلاَمِ للْعالَمِ والإنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ . الكلام فيه على وجوه . الأول : في ترجمة عمار ، وهو أبو اليقظان ، بالمعجمة ، عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس ، بالنون ، وهو زيد بن مالك بن أدد بن يشجب بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . هكذا نسبه ابن سعد ، رحمه الله ، أمه سمية ، بصيغة التصغير من السمو ، بنت خياط ، أسلمت وكذا ياسر مع عمار قديما ، وَقَتل أبو جهل سمية وكانت أول شهيدة في الإسلام ، وكانت مع ياسر وعمار ، رضي الله تعالى عنهم ، يعذبون بمكة في الله تعالى ، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون ( فيقول : صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) . وكانوا من المستضعفين . قال الواقدي : وهم قوم لا عشائر لهم بمكة ولا منعة ولا قوة ، كانت قريش تعذبهم في الرمضاء ، فكان عمار ، رضي الله عنه ، يعذب حتى لا يدري ما يقول . وصهيب كذلك ، وفكيهة كذلك ، وبلال وعامر بن فهيرة ، وفيهم نزل قوله تعالى : * ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا ) * ( النحل : 110 ) ومن قرأ فتنوا بالفتح وهو ابن عامر ، فالمعنى : فتنوا أنفسهم ، وعن عمرو بن ميمون ، قال : ( احرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، فكان عليه السلام ، يمر به ويمر بيده على رأسه فيقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم ، تقتلك الفئة الباغية ) . وعن ابن ابنه قال : أخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسلم وذكر آلهتهم بخير ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما وراءك ؟ قال : شر يا رسول الله ؟ والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير . قال : فكيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا بالإيمان . قال : فإن عادوا فعد ، وفيه نزل : * ( إلا من إكراه وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( النحل : 106 ) . شهد بدرا والمشاهد كلها ، وهاجر إلى أرض الحبشة ، ثم إلى المدينة ، وكان إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلاً هو وصهيب ، وروى عن علي ، رضي الله عنه ، وعن غيره من الصحابة . روي له اثنان وستون حديثا ، اتفقا منها على حديثين ، وانفرد البخاري بثلاثة ، ومسلم بحديث . وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حذيفة ، وكان رجلاً آدم طويلاً أشهل العينين بعيد ما بين المنكبين ، لا يغير شيبه ، قتل بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي ، رضي الله عنه ، عن ثلاث وقيل : عن أربع وتسعين سنة ، ودفن هناك بصفين ، وقتل وهو مجتمع العقل . وقال الكرماني : وياسر رهن في القمار هو ووالده وولده ، فقمروهم فصاروا بذلك عبيدا للقامر ، فأعزهم الله بالإسلام . وعمار أول من بنى مسجدا لله في الله ، بنى مسجد قباء ، ولما قتل دفنه علي ، رضي الله عنه ، بثيابه حسب ما أوصاه به ثمة ولم يغسله . وقال صاحب ( الاستيعاب ) : وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه ، وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلونهم ، ولكن يصلى عليهم ، وقال مسدد : لم يكن في المهاجرين أحد أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر . قلت : وأبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، أيضا أسلم أبواه . وفي ( شرح قطب الدين ) : وكان أبو ياسر خالف أبا حذيفة بن المغيرة ، ولما قدم ياسر من اليمن إلى مكة زوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها : سمية ، فولدت له عمارا ، فأعتقها أبو حذيفة . وعمار روى له الجماعة . الثاني : قول عمار الذي علقه البخاري رواه القاسم اللالكائي بسند صحيح عن علي بن أحمد بن حفص ، حدثنا أبو العباس أحمد بن علي المرهبي ، حدثنا أبو محمد بن الحسن بن علي بن جعفر الصيرفي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا قطر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عنه ، ورواه رسته أيضا عن سفيان ، حدثنا